تفاصيل الكتاب
تنزيل كتاب القرين لفيودور دوستويفسكي من موقع كتب الكترونية عربية

القرين لـ فيودور دوستويفسكي من كتبي

متاح فقط على أجهزة الموبايل والتابلت بأنظمة iOS و Android - وغير متاح الان على أجهزة اللاب توب والكمبيوتر

نبذة قصيرة عن كتاب القرين لـ فيودور دوستويفسكي

استيقظ المستشار الشَرَفيُّ ياكوف بتروفيتش غوليادكين في حوالي الثامنة صباحًا بعد نومٍ عميقٍ. فأخذ يتثاءب ويتمطَّى هنيهةً، ثمَّ فتح عينيه أخيرًا. ولبث مستلقيًا على سريره دقيقتين ساكنًا لا يتحرك، كما لو أنه يجهل إن كان استيقظ من نومه أمْ لا، وأن ما يراه حقيقةً أمْ أنه استمرارٌ للأحلام الَّتي حلم بها أثناء نومه المضطرب. وسرعان ما شرعت حواسه بعد ذلك تستجلب بوضوحٍ وجلاءٍ ما ألفته ممَّا أحاط به. وجعلت جدران حجرته الخضر الموسخة، وخزانته ذات الأدراج والكراسي المصنوعة من خشب الماهوغاني، والطاولة المدهونة بالأحمر، والأريكة المغطاة بجلدٍ أمريكيٍّ أحمر وموسومٍ بأزهارٍ خضر، وكومة الثياب الَّتي خلعها على عجلٍ ليلة أمس ورماها على الأريكة، تنظر إليه بمودةٍ. وأخيرًا، ألقى عليه نهارٌ خريفيٌّ عَكِرٌ حائلُ اللون من خلال نافذته أحسَّ نظرةً كئيبةً، فأُثقل صدره وشقَّ عليه، وأيقن أنه ليس في دنيا الكرى بل في مدينة بطرسبرج، وفي شقته في الطابق الثالث في عمارةٍ كبيرةٍ. فعاد السيِّد (غوليادكين) وأغمض عينيه بوهَنٍ، وكأنه أَسِفَ على ما تبدد من أحلامه، ورغب في أن يسترجعها ولو لحظةً قصيرةً. لكنه سرعان ما قفز من سريره بعد أن اهتدى إلى الفكرة الَّتي حامت حولها أفكاره المشوشة المبعثرة، فهرع نحو مرآةٍ صغيرةٍ مستديرةٍ شمخت فوق خزانته. لم يكن في ذلك الرأس بصلعته المنفسحة الَّتي انعكست صورتها في المرآة، وذاك الوجه الناعس الحاسر البصر ما يلفت الأنظار ويستجلب الانتباه، ومع ذلك فإن صاحبه كان راضيًا بكلِّ ما تفرَّس فيه. وهمس السيِّد غوليادكين: «الحمد لله الَّذي منع عني ما يُزعج!! فماذا لو حصل في هذا الصباح ما يزعجني!؟ كأن أجد على وجهي دملًا مثلًا، أو أن يقع ما لا تُحمد عقباه... من يدري؟ فكلُّ شيءٍ ممكنٌ. حسنًا، لم يحدث إلى الآن أي شيءٍ، وما زال كلُّ شيءٍ على ما يرام!». بدا السَّيد غوليادكين سعيدًا؛ لأن كلَّ شيءٍ كان على ما يرام، فأعاد المرآة إلى مكانها، وهرع نحو النافذة مع أنه كان حافيًا، ولا يلبس سوى فضاله(4)، فأخذ يقلب ناظريه عن شيءٍ ما في فناء العمارة الَّذي تطل عليه نافذة منزله باهتمامٍ كبيرٍ، ويبدو أنه فرح بما رآه فأخذ يبتسم. ثمَّ اقترب من الخوان على أطراف أصابعه. وبعد أن ألقى نظرةً على ما وراء الستار حيث ينام خادمه بتروشكا فلم يجده، فَتَحَ أحد جوارير الخوان، وجعل يبحث في داخله إلى أن وقع على محفظة خضراء بالية تحت كومةِ أوراقٍ صفراء متسخةٍ. فتح المحفظة بحذرٍ، ألقى على ما فيها نظرةً شغوفةً. لربما خصَّته رزمة الأوراق المالية الخضراء، والرمادية، والزرقاء، والحمراء بنظرةٍ مرحبةٍ لطيفةٍ، فأشرق وجهه عندما وضعها قبالته على الخوان وهو يفرك يديه معبرًا عن سعادته العظيمة. وأخرج السيِّد غوليادكين الأوراق المالية من المحفظة، وأخذ يعدها مرةً أخرى بعد أن عدَّها الليلة السابقة حوالي مئة مرةٍ، وهو يفرك كلُّ واحدةٍ منها بين سبابته وإبهامه. ولمَّا انتهى جعل يدمدم: «سبعمئةٍ وخمسون روبلًا.. إنه مبلغٌ محترمٌ.. مبلغٌ يبعث السرور في النفوس.. مبلغٌ من شأنه أن يسعد الكثيرين.. لا أعتقد أن مثل هذا المبلغ يبدو تافهًا في عينيِّ أيّ شخصٍ.. إن مبلغًا كهذا من شأنه أن يدفع بالمرء دفعًا، وأن يأخذه بعيدًا...». ثمَّ سأل السيِّد غوليادكين نفسه فجأةً: «ماذا يعني هذا؟ أين ذهب بتروشكا؟»، وتوجه نحو الستارة دون أن يبدل ملابسه ليلقي نظرةً أخرى. فلم يجد له أثرًا، ولم يكن هناك سوى السَّماوَر(5) على الأرض، وكان يغلي، وجام غضبه تكاد تفور، وكأنه يهسهس للسيِّد غوليادكين ويلثغ له قائلًا بلهجته الغامضة: «خذوني أيها الأخيار! ألا ترون أني جاهزٌ ومستعدٌ؟».

كتب مماثلة